استعرض الموضوع السابقاستعرض الموضوع التالي
19122010
الذوبان الزوجى ... تعلمى ايتها الزوجة

( الذوبان الزوجي ) مصطلح يطلق حين تفقد شخصية أحد الزوجين استقلاليتها ، لتتلاشى أو تذوب أمام شخصية الطرف الآخر .
ويحصل عادة بسبب :


1- أن تكون شخصية أحد الزوجين متسلِّطة متفرِّدة ، وشخصية الآخر ضعيفة مهزوزة .


2- نظرة بعض المجتمعات الدونيَّة للمرأة ، وأنَّها تابعة للرجل ، منفِّذة لأوامره وتوجيهاته فقط .


3- تربية القهر والحرمان التي عاشتها الزوجة قبل زواجها ، أو خشيتها فقدان أطفالها .


4- المحبة المتمكِّنة التي يحملها أحد الزوجين للآخر ، فيُذيبُ شخصيته كسباً لمرضاة شريك حياته .


5- الفهم الخاطئ لمفهوم قوامة الرجل ، فيتحول إلى شخصية مستبدَّة ، تُطالِبُ بالطاعة المطلقة .


6- رغبة أحد الزوجين تجاوز الخلافات المتكررة ، خشية الانفصال ، أو تأزُّم الحياة الزوجية .

ومظاهر هذا الذوبان جدُّ سلبية في حياة الزوج أو الزوجة ، فعنده تُسلب الآراء والقناعات والأفكار والأهداف ، ويطفو الكبت والإحباط ، فالرأي ما يراه الطرف القوي ، والحكم حكمه ، والأمر أمره ، ويبقى الضعيف ريشة في مهب الريح . . فمهما كان من حكم على مجريات الأحداث ، أو رأي هنا أو هناك ، فإنه يبقى حبيس الفكر ، مُنِعت عنه مقومات الحياة . . والنهاية موت بطيء في الشخصية ، واعتماد مطلق على الآخر ، وتبلُّد وعدم مبالاة .

إن العلاقة بين الزوجين يجب أن تكون علاقة مسئولية من طرفين لا من طرف واحد ، علاقة شريكين مسئولين عن تحقيق أهداف الزواج التي شرعها الله تعالى ، ومنها تحقيق أجواء المودة والرحمة التي هي سر نجاح البيت المسلم ، من خلال الكلمة الطيبة ، والنصيحة الدافئة ، والقدوة الحسنة ، والأدوار المتكاملة ، ومن هنا نحتاج أن نحفظ لكل زوج شخصيَّته التي ارتضيناها حين ارتضيناه زوجاً ، نحتاج إلى علاقة مبنيَّة على التكامل لا التصادم ، فمعيار التكامل يعني أن يستفيد كل طرف من المهارات والصفات الإيجابية لدى الطرف الآخر ، ويرى أن نجاح شريك حياته نجاح له ، ومن هنا يسعى إلى تحفيزه ، ومساعدته ، وتهيئة الأجواء الإيجابية لتنمية هذه المهارات ، وتوظيف هذه الصفات في بناء شخصياتهما ، وتربية أولادهما .

إننا لا نُلزم ، كما لا نعارض التكافؤ ، ولا حتى التطابق التام ، إلا أن المتأمل في حياة الأسر الناجحة منذ صدر التاريخ ، يجد أن احتفاظ كل طرف بشخصيته ، مادامت إيجابية ، مطلب لنجاح الأسرة ، واستقرار أحوالها ، وتربية أبنائها التربية الصالحة .



ويمكن تحقيق ذلك من خلال التالي :

1- أن يَتَعَرَّف كل زوج على خصائص شريك حياته ، ويعمل على استثمارها لتوثيق علاقتهما ، وتربية أولادهما .


2- العمل على التحاق الزوجين بدورات أسرية ومهارية متخصِّصة لإكسابهما ثقافة وقدرات عملية .


3- تعزيز كل زوج لأفكار ومرئيات شريك حياته ، مع فتح قنوات حوار إيجابي بينهما .


4- الاحترام والتقدير الخالص المتبادل بين الزوجين ، وخصوصاً أمام الأسرة أو الأولاد .


5- استحضار سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في أسلوب تعامله مع أزواجه رضي الله عنهن .


6- تهذيب نزعة التسلط والاستقواء لدى الزوجين ليحل مكانها خصال المودة والتعاون .


7- البعد عن المعاصي ، وتطوير الذات ، وتنمية القدرات ، والثقة بالنفس ، أسباب لقوة الشخصية .

يقول علماء النبات : ( في الغالب أننا إذا زرعنا نباتين بالقرب من بعضهما ، فإن جذورهما تتداخل ، وتُحَسِّن من حالة التربة ، فينمو النباتان بصورة أفضل ) ، فالناتج باتفاق الزوجين ، وتعاونهما ، واستثمار مهارات كل منهما ، أفضل بكثير من ناتج فرد لوحده ، فالعلاقة الإيجابية المبنية على الاحترام بينهما ، عنصر من عناصر النجاح ، ويكون ذلك بأن يُثَمِّنُ كل واحد منهما الفروق الفردية للطرف الآخر ، ويحترمها ، ويتَّخذها نقطة قوة ، تُعين في سداد نقاط الضعف لديه .
لا أن تكون علاقتهما ببعض جافَّة متوتِّرة ، تعتمد على الأوامر والنواهي وحسب ، ( مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ) ( غافر / 29 ) ، فإن هذا الفهم مخالف للشارع الحكيم ، ويسهم في هدم الحياة الزوجية لا بنائها ، وفي تعاستها وشقائها ، لا سعادتها وهنائها .

هذا ( الذوبان الزوجي ) ، بصورته الغالبة في المجتمع ، سلبي ، يُسهِم في تهمش شريك الحياة ، وتحطيم شخصيته ، وخلخلة ثقته بنفسه ، وعدم الاستفادة من القدرات التي حباها الله له ، وبالتالي حرمان الأسرة من شخصية كان الأولى بها أن تكون فاعلة مؤثرة ،وفيه حرمان المجتمع من إيجابية إحدى لبناته ، فكيف لأم أن تربي أبنائها وهي مسلوبة الرأي ، مقهورة الحس ، ليس لها في مملكتها حول ولا قوة !! وكيف لأب أن يقود أسرة ، وقد قُيِّدَتْ يداه ، فلا سمع له ولا طاعة !!

ثم إن في هذا ( الذوبان القسري ) حرمان من التميز والإبداع في العلاقات الزوجية ، وفيه مخالفة لمنهج المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فقد كان يتعامل مع زوجاته رضوان الله عليهن ، معاملة فيها غاية الاحترام لرغباتهن ، وأحاسيسهن ، وشخصياتهن المستقلة ، بل وتقدير رؤاهن وعقولهن ، فقد كان يستشيرهن في أشد الأمور حساسية ، ويقبل منهن ، ومن ذلك استشارته صلى الله عليه وسلم لأم سلمة رضي الله عنها ، في صلح الحديبية عندما أمر أصحابه بنحر الهدي وحلق الرأس فلم يستجيبوا ، فدخل مهموماً حزيناً على أم سلمة في خيمتها، فقالت له : اخرج يا رسول الله ، فاحلق وانحر، فحلق ونحر فإذا بأصحابه كلهم يقومون قومة رجل واحد فيحلقون وينحرون ، وكذا استشارته لخديجة رضوان الله عليها حين نزل عليه الوحي ، واستجابتها التكاملية معه صلى الله عليه وسلم .

( أم سعد ، وأم مهند ) فتاتان في العقد الثالث من عمرهما ، عايشْتُ أحداث حياتهما عن قرب ، تزوجتا منذ ثلاث سنوات ، وكلتاهما ذاقت طعم ( الذوبان الزوجي ) إلا أن الأولى ( أم سعد ) كانت أكثر بؤساً وشقاءً ، فلم يدم زواجها أكثر من ثلاثين شهراً ، إذ أنَّها طلبت إنهاء هذه العلاقة ، بعد أن تَجرَّعت كأس الهموم والأحزان ، تقول عن نفسها :
تزوَّجتُ رغبة في إعفاف نفسي ، ولكي أجد في زوجي شريكاً لحياتي ، ومعيناً على استكمال نجاحاتي التي بدأتها في مقاعد دراستي ، ولبناء أسرة مطمئنة ناجحة طالما حلمتُ بتحقيقها وللأسف ، لم أجد في زوجي ما كنتُ أحلم به ، ولم تَشفع لي كفوف الراحة والخدمة التي أحطت زوجي بها ، ولا توسلاتي وجلساتي التي حاولتُ من خلالها أن أوصل صوتي إليه ، فلم يكن يرى الزوجة شريكة لحياته ، فهو الآمر الناهي ، وعليها السمع والطاعة، وليس لي حين النقاش والحوار إلا الألفاظ المقيتة ، واللكمات العنيفة ، وكانت خياراتي : إما أن تتلاشى أهدافي وأحلامي ، وأذوب في حياتي الزوجية لأتحوَّل إلى ظل سلبي لزوجي ، لا حول لي ولا قوة ، فأموت غماً وحزنا ، أو ( الطلاق ) ، فاخترت الثاني ، بعد استخارة واستشارة .

وأما الثانية ( أم مهند ) فقد ذاقت أيضاً ( الذوبان الزوجي ) ، ولكن بمذاق آخر ، فهي تسأل الله أن يديم عليها هذا الذوبان على خير ، تقول :
تزوَّجتُ من أبي مهند بعد أن سألتُ عنه ، أعجبتني فيه صفات لم أجدها في نفسي ، لم أكن خالية من المهارات والصفات الحسنة ، لكنه أَسَرَنِي بدماثة أخلاقه ، ومراقبته لربه ، وحرصه المستمر على تثقيف نفسه ، وتطوير قدراته ، وبفضل الله ، تعاهدنا منذ أول أيام زواجنا على أن نكون شيئاً واحداً ، أهدافنا ، وأحاسيسنا ، ومشاعرنا ، ننصهرُ لنكوِّن شيئاً واحداً شعاره التكامل ، والحب ، والتعاون ، أستفيد من تجاربه وخبراته ، ويستفيد من مهاراتي وقدراتي ، ولله الحمد والمنة ، فقد كان لنا ما نرجوه ، ونرجو أن يُتَمَّ الله علينا فضله وستره وتوفيقه .

إننا أمام ( ذوبان قسري ) ، شَقِي أصحابه ، إذ أنه اعتمد التضاد والتصادم والأنا البغيضة معياراً في التعامل ، و ( ذوبان اختياري )، سَعُدَ أصحابه ، لوجود مساحة رَيَّانة من الود والتفاهم والتفاف المشاعر ببعضها ، والفرق بينهما كبير .


منقووول
مُشاطرة هذه المقالة على:Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking
استعرض الموضوع السابقاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى