الصبر في القرآن الكريم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

avatar
ام محمد عامر
اميره خياليه
اميره خياليه
عدد المساهمات : 549
الاوسمه :

مُساهمةام محمد عامر

الصبر هو حبس النَّفس على ما تحب أو عمَّا
تكره، وهو من القِيم العليا التي يحث الإسلامُ معتنقيه على أن يتصفوا بها؛
لأنه يزين الإنسانَ المسلم، ويمثِّل علامة على إيمانه، ذلك الإيمان الذي
قيل إنه نصفان: ((نصفٌ صبرٌ، ونصفٌ شكرٌ))؛ "تخريج الإحياء للعراقي (4/75)،
السفاريني الحنبلي: شرح كتاب الشهاب (282)، وإسناده ضعيف".



وفي هذا قال النبي - صلى الله عليه وآله
وسلم -: ((عجبًا لأمر المؤمن؛ إن أمره كلَّه خير، وليس ذاك لأحد إلا
للمؤمن؛ إن أصابته سرَّاءُ شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان
خيرًا له))؛ صحيح مسلم (2999).



ولاحظ استعمال كلمة "أصاب"
بما لها من ظلال المصيبة للخير والشر معًا؛ لأنهما جميعًا اختبار من الله
تعالى، فتعرُّض الإنسان إلى ما يستوجب الصبر لا يعني أن الله -تعالى-
يُبغضه، كما أن النعمة التي تأتيه لا تعني أنه يحبه، بل إن حب الله -تعالى-
للعبد أو بُغْضَه له ناتجٌ عن كيفية تعامل الإنسان مع ما ابتُليَ به.



والمؤمنون هم الذين يدركون اختبارَ الله -تعالى- لهم فيما يجري عليهم، فيصبرون على البلاء، ويشكرون عند النَّعماء كما أُمروا.



وقد زخر القرآن الكريم ببيان أهمية الصبر بصورة مباشرة
من خلال الثناء على الصبر، أو بصورةٍ غيرِ مباشرة من خلال ما قصَّه على
النبيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - وعلى الناس من قصص الأنبياء
والصالحين، وقد أمرنا - تبارك وتعالى - بالتحلي به، ورغَّبنا فيه من خلال
أمرِه لنبيِّه - صلى الله عليه وآله وسلم - به، إذ قال: ﴿ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً ﴾ [المعارج: 5].



الصبر الجميل:


هو ما لا جزع فيه ولا شكوى إلى غير الله تعالى، وقد قيل: إنه ذلك الصبر
الذي يجعل صاحب المصيبة خفيًّا، فلا يُدرى بأنه مصاب؛ فتح القدير ص:
(1823).



وذكر الباري - عز وجل - على لسان عبده لقمان وصيتَه لابنه بالصبر، فقال: ﴿ يَا
بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ
الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ
الْأمور
﴾ [لقمان: 17].



ومردُّ تخصيص هذه العبادات في وصية لقمان -
وهي الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر - إلى أنها "أمهاتُ
العبادات، وعمادُ الخير كله، والإشارة بقوله: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ ﴾ إلى الطاعات المذكورة"؛ فتح القدير (1375)، وهي من الأمور التي أوجبها الله -تعالى- على عباده، ولعل قوله: ﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ
﴾ ينطوي على إشارة من لقمان - عليه السلام - إلى ما سيصيب ابنَه في
المستقبل عندما يتفاعل مع الوسط الذي يحيا فيه، فيأمر بالمعروف وينهى عن
المنكر، وليس الوسط كله ممن يستجيب لداعي الخير، وإن مَن يتصدى لهذه المهمة
الجليلة سيلقى أذًى ماديًّا ونفسيًّا، ومن هنا كانت وصية لقمان لابنه بأن
يكون صابرًا، وإلى جانب أنَّ ذلك من عزم الأمور - أي: من الأمور التي
أوجبها اللهُ تعالى - فإن هذا الجزء من الآية يعطي انطباعًا بقوة الإرادة
والتحكم في النفس، وهو في محصلته النهائية علامةٌ على المؤمن القويِّ، الذي
فضَّله النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بقوله: ((المؤمن القويُّ خيرٌ
وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ))؛ صحيح مسلم (2664)؛
فكلاهما مؤمن، ولكن هذا قوي وهذا ضعيف، والقوة والضعف إنما يكونان في قوة
القلب إزاء الأحداث، وفي العزيمة في التعامل مع الأشياء، لا في حقيقة
الشعور الإيماني المستقر في الوجدان، والله أعلم.



إن القوة قرينة الصبر،
ولأهمية هذه الخصيصة في الحياة الإنسانية والإسلامية أثنى الله -تعالى-
على المتواصين به؛ وذلك لكي يلفتهم إلى تبيان أهميته في الحياة الدنيا،
ولأنه عُدَّة للطاعة، ولتجنب المعصية، ولأنه سبب لإيتاءِ المتواصين به في
الآخرة كتبَهم بأَيْمانِهم، ولأن يكونوا من أصحاب الميمنة؛ فقد قال
-تعالى-: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ﴾ [البلد: 17، 18].



وقد قرن اللهُ -تعالى- بين التواصي بالحق والتواصي بالصبر؛ إعلاءً لشأن الصبر، وتنويهًا بعظيم قدره، وبيانًا لجزيل ثوابه؛ ﴿الْعَصْرِ
* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ
﴾ [العصر: 1 - 3].



وبينما كان التواصي بالصبر بين المسلمين،
فإن الله -تعالى- أمر عباده بأن يُباروا أعداءَهم ويجالدوهم، ويتفوَّقوا
عليهم في الصبر على الشدائد، وفي أن يصبِّر بعضُهم بعضًا حتى يَدْحَرُوهم،
وهو ما يُفهَم من ﴿ وَصَابِرُوا ﴾ في قوله - سبحانه - في سورة آل عمران: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 200].



ويرشدنا الله -تعالى- في آياتٍ أخرى إلى
أن نستعينَ به - سبحانه - في الحصول على الصبر؛ ذلك أن ما يَعرِض للنفس قد
يفوق الطاقةَ، لولا مددٌ من الله وتثبيت، وقد ورد هذا التعليمُ في موضعين:

الأول:
دعوة السحرة الذين استعان بهم فرعون لمواجهة موسى - عليه السلام - فما أن
تبيَّن لهم الحقُّ حتى خروا له مُذْعِنين، وأيقنوا أن ما سيلحق بهم جراء
ذلك سيكون شديدًا، فقالوا: ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾[الأعراف: 126].



والثاني: دعوة طالوت وجنوده في قوله -تعالى-: ﴿ وَلَمَّا
بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا
صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
الْكَافِرِينَ
﴾ [البقرة: 250].



والصبر فيما يفهم من هاتين الآيتين ليس
مَلَكةً نفسية، بل هو مدد رباني يشدُّ به اللهُ - تعالى - أولياءه في
مواجهة ما يضعُفُ الإنسانُ عن تحمُّله، ويُظهر الدعاءُ عجزَ الإنسان بنفسه،
واحتياجه إلى أن يتقوَّى بربه، والآيات المتممة للآيتين السابقتين واضحةٌ
في استجابة الله -تعالى- لهم؛ فمات السحرة شهداءَ، وانتصر طالوت وجنوده
بالرغم من قلة عددهم.



إن الصبر في حد ذاته قوة، ولكن الله - تعالى - يريد لعباده المؤمنين أن يتجاوزوه إلى ما هو أفضل منه وأرقى؛ أن يتجاوزوه إلى العفو، حين يتعلق الأمر بالأذى.



فبعد أن يحث - سبحانه - عبادَه على الصبر،
ويرغِّبهم فيه، ويبيِّن لهم أن جزاء السيئةِ سيئةٌ مثلها، وأن هذا حقٌّ
وانتصاف، يُعلِي - سبحانه - من شأن مَن يتجاوز ويصفح، ويوكِل بذاته العلية
أجر العافي، ويترك وصْفَه مبهمًا؛ لتعظيمه إياه، فقال - عز من قائلٍ -: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [الشورى: 40].



وأكَّد معنى الصفح والمغفرة بقوله - سبحانه -: ﴿ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ﴾ [الشورى: 41].



حكمة الصبر:

ويجد الناظر في القرآن الكريم أن الله -
سبحانه وتعالى - يبتلي عباده بطرائقَ شتَّى ليمحِّصَهم، وأن مَن يجتاز
الاختبار منهم بنجاح هو الذي يكون جديرًا بصفة الصابر؛ ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾[محمد: 31].



فالله - سبحانه وتعالى - يأمر بالجهاد؛
لتمييز الصابر على دينه، وعلى تحمُّل مشقة هذا التكليف، والجود له بالنفس
والمال، ممن يتحلل منه، ويُؤثِر الدَّعة عليه.



وهو يأمرنا بالزكاة؛ لتمييز البخيل الحريص على المال، ممن يؤثر رضا الله على ما يملك.



ومثل هذه الاختبارات إنما هي لتبصير الناس
بعضهم ببعض، ولتبصير الإنسان بنفسه؛ لئلا يقول: لو أمرتني بالجهاد والزكاة
لفعلت، والادعاء سهل، غير أن العملَ لا يكون بغير إرادة، وهذه الإرادة لا
يتبدى خضوعُها لمراد الله -تعالى- إلا بالامتحان، بالضبط كما أن النار هي
التي تُظهِر نفاسةَ الذهب.



لقد ضرب الله - عز وجل - لبني آدم أمثلة من هذا الاختبار في سورة البقرة؛ فقال - جل شأنه -: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ
وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
﴾ [البقرة: 155 - 157].



وإن تنكير ﴿ شَيْءٍ
﴾ في هذه الآية إنما هو للتقليل؛ أي: إن الاختبار يكون بأمور يسيرة
فبعضها: نفسي؛ كالخوف، وبعضها: شعوري؛ كالجوع، وبعضها: مادي؛ كنقص الأموال
والأنفس والثمرات.



والذين يجتازون هذا الاختبارَ - محتسبين -
هم الذين يستحقون البِشارة، وهم الذين يرتبطون بالله - تعالى - ويرونه في
كل شيء، ويعلمون أن ما يجري لهم إنما هو بأمره وعلى عينه، فهم والحالةُ هذه
في مقام الرضا، وما داموا عبادًا طائعين فهم مستسلمون لأمر الله وقضائه،
ويعبِّرون عن هذا الاستسلام بقولهم: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
﴾، وإن هؤلاء هم الذين تتنزل عليهم رحمات الله -تعالى- وهؤلاء هم المؤمنون
حقًّا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((مَن استرجع عند
المصيبة، جبر اللهُ مصيبتَه، وأحسن عقباه، وجعل له خَلَفًا يرضاه))؛
الترغيب والترهيب للمنذري (4/256)، مجمع الزوائد للهيثمي (6/319).



وورد أنه - صلى الله عليه وآله وسلم -
قال: ((أُعطِيتْ أمتي شيئًا لم يُعطَه أحدٌ من الأمم، أن يقولوا عند
المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون))؛ الجامع الصغير للسيوطي (1176)؛ ضعيف
الترغيب للألباني (2047).



إن مادة الاختبار المشار إليها في
الآيات السابقة ميسورةٌ إذا قِيست بما ابتُلِيَ به الأنبياء؛ كإبراهيم -
عليه السلام - الذي اختُبِر بالنار، وبترك ولده وزَوْجِه في صحراءَ قاحلة،
وبذبح ابنه، وكنوح ولوط - عليهما السلام - اللذينِ ابتُلِيا بأزواج جاحدات،
فضلاً عن ابتلاء نوح - عليه السلام - بابن عاقٍّ رافضٍ تصديقَه، وابتُلي
إسماعيلُ - عليه السلام - بالذبح، وابتُلِي يوسف - عليه السلام - بالعبودية
والسجن، وهكذا.



أنواع الصبر:

حري بالمرء أن يستحضر الصبر، وأن يجعله من الوسائل التي يخوض بها عباب هذه الدنيا، التي هي في أصل وجودها دارُ اختبار وابتلاء.



والصبر مراد جوهري في اجتياز الابتلاء، وإن صُوَرَه تتعدد بتعدُّدِ صور الحياة الدنيا ومظاهرها.



والمتأمل في الآيات القرآنية يجد أمثلة
لأوجه الصبر ومجالاته، من غير أن يعني ذلك أنها هي المجالات الوحيدة التي
تتطلب صبرًا، بل هي عيِّنات يقاس عليها ما عداها، وإن درج البعض على حصر
الصبر في الطاعة، واجتناب المعصية، وتحمُّل المصائب والنوائب؛ فهذه الأنواع
الثلاثة من أوجه الصبر هي أطرٌ عامة قد تُدرجُ فيها حالات أخرى بحسب الفهم
أو النظرة، وإن الحالات التي أضاءها القرآن الكريم بالصبر هي:

الصبر المطلق:

وقد ورد هذا في قوله - سبحانه -: ﴿ وَالَّذِينَ
صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ
وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَؤُونَ
بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ
﴾ [الرعد: 22].



وهذا الصبر في صدر الآية غير مقيَّد
بالإتيان بما أمر الله -تعالى- به، وباجتناب ما نهى عنه، أو بالصبر على
البلايا، بل هو مطلق؛ ليشمل هذه الأبواب الثلاثة وما عداها، ولكن المهم هو
ابتغاء وجه الله فيه؛ أي: أنْ يكون خالصًا لوجهه، لا تشوبه شائبةٌ، ولا
يخالطه رياء.



وقد تقدم ذِكْرُ الصبر على الصلاة في هذا
الموضع وفي بعض الآيات التي سنقتبسها؛ لأن الصبر عمل قلبي، وهو مقترن
بالإيمان، والله - سبحانه - لا يسأل عباده أن يصلُّوا ويؤمنوا، بل يسألهم
أن يؤمنوا - أولاً - ويصلُّوا، وكذلك الحال بالنسبة إلى الصبر؛ فالآيات
التي تسبق الآية السالفة تدور على الإيمان بالكتاب المنزل، والوفاء بعهد
الله، ووصْل ما أمر الله به أن يوصلَ، والخوف من سوء الحساب، وهذه كلها
أمورٌ منوطة بالقلب؛ فعُقِّبت بالصبر، الذي هو أيضًا حالة قلبية، وحينما
يكون القلب مستقرًّا بإيمانه والتزامه، تكون الصلاةُ مناسبة له خشوعًا
وأُنسًا بالله تعالى، وإن الصلاة والإنفاق وحسن المعاملة كل ذلك من ثمراتِ
الإيمان؛ أي: هو نتيجة للإيمان، وسبب - من ثَمَّ - لدخول الجنة ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ﴾.



وقد ورد الصبر مقرونًا بالصلاة في آيات أخرى، على أنهما من وسائل الاستعانة بالله -تعالى-: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ [البقرة: 45]، وكذلك في قوله -تعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
﴾ [البقرة: 153]؛ فالصبر في هاتين الآيتين مستقلٌّ عن الصلاة، وهو واحد من
العمودين اللذين يستعين بهما الإنسانُ في علاقته بالله عز وجل، ولكن الآية
الثانية خصصت الصابرين دون المصلِّين بمعيَّةِ الله تعالى، ولعل ذلك
مردُّه - والله أعلم - إلى أن الصلاة قد تكون رياءً، بينما الصبر عندما
يكون خالصًا لوجه الله يكون هو الأساسَ الذي تقوم عليه الصلاةُ المبرورة.



الصبر على العبادة:

وقد وردت في هذا السياق آياتٌ عديدة تحث المسلمين على الصبر على العبادة، من ذلك قوله - سبحانه -: ﴿ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾ [مريم: 65].



وقوله: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾ [طه: 132].



ويرى العلماء أن "اصطبر" بمعنى "صبر"، وأن ﴿ اصْطَبِرْ ﴾ على الصلاة يعني: اصبرْ عليها ولا تنشغل عنها بأمور الدنيا؛ فيض القدير (1122 - 1123)، ولكن ﴿ اصْطَبِرْ ﴾ توحي بمعنى حمل النفس على الصبر على الصلاة، ولعل مما يعزِّز هذا المعنى قولَه -تعالى- في الصلاة: ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ [البقرة: 45].



فالصلاة بحاجة إلى الصبر لتؤدَّى بأركانها
كاملة، وتُبعدَ عن أن ينتهز الشيطان منها شيئًا، كأن تنشغلَ النفسُ عنها
بأمور الدنيا فلا تؤدى في وقتها، أو تنشغل النفس عنها في أثناء تأديتها فلا
يبقى منها إلا حركاتها، ولو كانت النفس محمولةً على الصبر، لأُدِّيت
الصلاة كاملة تامة.



وقد وردت كلمة ﴿ اصْطَبِرْ ﴾ في قوله -تعالى-: ﴿ إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ﴾ [القمر: 27].



وتنطوي الآية على إشعارٍ لنبيِّ الله صالح
- عليه السلام - بأن قومه لا يؤمنون به، على الرغم من أنه جاءهم بالمعجزة
التي أرادوا، والله -تعالى- يوصيه بأن يحمل نفسه على الصبر إزاء ما سيجد من
عنَتٍ.



ولعل الصبرَ على ملازمة أهل الصلاح مما يلحق بهذا النوع في قوله -تعالى-: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ [الكهف: 28].



ومما يلحق به أيضًا الصبر على القتال؛ ففيه سر النصر على الأعداء، بغض النظر عن الفارق العَددي والعُددي: ﴿ يَا
أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ
مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ
مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ
قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ * الْآنَ
خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ
مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ
أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ
الصَّابِرِينَ
﴾ [الأنفال: 65، 66].



وقد قيل: إن السرايا التي كان النبي - صلى
الله عليه وآله وسلم - يبعثها لم تنقص عن عشرين، ولم تَزِدْ على مائة من
المقاتلين؛ فتح القدير (676).



وبتأمل الآية نرى اختلاف صفة الصبر المقترن بالعدد، ففي ﴿ عِشْرُونَ صَابِرُونَ ﴾ نرى أن ﴿ صَابِرُونَ ﴾ صفة لـ﴿ عِشْرُونَ﴾؛
أي: إن كل واحد من هؤلاء العشرين صابرٌ؛ فالصبر خَصِيصة فردية لكل واحد
منهم، ومن ثم فإن تلاحمهم يكسر قوةَ مَن يفوقهم في العدد بعشَرة أضعاف،
ولكنه -تعالى- خفَّف عنهم بعد ذلك فقال: ﴿ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
﴾، ولم يقل: مائة صابرون؛ أي: جعل الصبر في هذه الحالة للعدد الإجمالي
وليس للأفراد، ومن هنا فقد يكون مِن بين المائة مَن هو قليلُ الصبر، أو أن
صبر الأفراد المائة متفاوتٌ، ولكن الانطباع عنهم باعتبارهم فئة ومجموعة هو
أنهم فئة صابرة، وفي هذا تخفيف بألا تكون مواجهة الواحد لعشرة، بل لاثنين
وحسب، وفيه - والله أعلم - تخفيفٌ في مستوى الصبر المطلوب أيضًا، وهذا
مفهومٌ من اختلاف صيغة الصبر في الموضعين: ﴿ عِشْرُونَ صَابِرُونَ ﴾ و﴿ مِائَةٌ صَابِرَةٌ ﴾.



الصبر على البلاء:

وينقسم هذا النوع على فرعين؛ أولهما:
الصبر على الأذى النفسي، وثانيهما: هو الصبر على الأذى البدني؛ فأما الأذى
النفسي، فينجم عن كفر الكافرين، وردِّهم القبيحِ لصاحب الدعوة، واتهامهم
إياه بتُهَم شنيعة تدخل في باب تشويه السُّمعة، وقد حث الباري - عز وجل -
نبيَّه الكريم - صلى الله عليه وآله وسلم - على الصبر مما لقي من هذا النوع
من الأذى، فبعد أن ذكر - سبحانه - أنه صَرَف نفرًا من الجن يستمعون إلى
الذكر، ويؤمنون به، مع بيان الضلال الذي يقع فيه مَن لا يؤمن بالله، وبعد
أن أورد صورةً من صُورِ الآخرة: ﴿ وَيَوْمَ
يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ
قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ
تَكْفُرُونَ
﴾ [الأحقاف: 34]؛ بعد ذلك كلِّه أمَرَ نبيَّه الكريم -
صلى الله عليه وآله وسلم - أن يصبرَ على أذى الكافرين، وجحودِهم، ورفضِهم
الإيمان بقوله: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ
أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ
يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ
نَهَارٍ
﴾ [الأحقاف: 35].



فالحياة وإن بدت طويلة إلا أنها قصيرة،
ساعة من نهار، وإن من الأَوْلى قضاءَها بالصبر والاحتساب، وبرجاء أن يؤمنَ
أولئك الكافرون؛ ولهذا فإن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عندما أخبره
مَلَك الجبال: أن الله -تعالى- أمره أن يأتمرَ بأمر رسوله - صلى الله عليه
وآله وسلم - وأن يُطبِق الأخشبينِ على الكافرين إن شاء، قال - عليه السلام
-: ((بل أرجو أن يُخرجَ اللهُ مِن أصلابهم مَن يعبد اللهَ لا يشرك به
شيئًا))؛ التوحيد لابن خزيمة، من حديث السيدة عائشة - رضي الله عنها -
(1/111)، صحيح مسلم (1795).



وعندما حاصر الطائفَ بعد معركة حُنَين، ثم
رفع الحصار عنها ورحل؛ طلب منه أصحابُهُ أن يدعوَ على أهلها، ولكنه بدلاً
من ذلك دعا لهم بالهداية، وهذا ما كان؛ إذ سرعان ما جاءته قبائلها تبايعه
على الإسلام.



وقد واسى الله -تعالى- نبيَّه في مواضعَ
أخرى لإعراض الكافرين عن دعوته بأن قصَّ عليه قصص الأنبياء السابقين، وما
لاقوه من عنتِ أقوامهم، وكيف أنهم كانوا يواجهون الإعراض بالصبر؛ فقال -
سبحانه -: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ
لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ
الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا
﴾ [الأنعام: 33، 34].



إن هذه الآيات وغيرها كانت بلسمًا
للمسلمين الأوائل، وعُدَّة لصبرهم على العذاب الشديد الذي صبَّه الكافرون
عليهم، ولأنهم بشر فلربما توعَّدوا آنئذٍ أو في الوقائع اللاحقة أن ينتقموا
بأشد مما فعَله الكافرون بهم، ولكن الله - سبحانه وتعالى - أرشدهم إلى ألا
يتجاوزوا حدودَ ما أُصيبوا به إذا ما ثأروا لأنفسهم؛ فقال في كتابه
الكريم: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾ [النحل: 126، 127].



فإن كان الثأر هو الخيارَ، فلا بد أن يكون
مكافئًا لمقدار الإصابة، لا أن يزيد عليها، وقد ذُكر أولاً؛ لأنه الحق
والفطرة العامة التي يكون عليها الإنسان، غير أن الله - سبحانه - رقَّّى
عباده المؤمنين إلى درجة أعلى بقوله: ﴿ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
﴾، ففي هذا تغذيةٌ لرُوح العفو والصفح في نفس الإنسان المسلم من جهة،
وتنويهٌ بما للصفح من نتائجَ باهرة في الدعوة والبناء الاجتماعي من جهة
أخرى؛ ولهذا فإن الله -تعالى- يقول: ﴿ وَلَا
تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
* وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
﴾[فصلت: 34، 35].



ولعل من المناسب أن نتذكر في هذا المقام
أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عندما عاد من إحدى غزواته اضطجع في
ظل شجرة وعلَّق سيفه، فلمحه أحد الكافرين، فجاء متسللاً، ثم اخترط سيفَ
النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وقال: مَن يحميك مني يا محمد؟ فأجابه
النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((الله))، فوقع السيف من يد الرجل،
فأخذه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وقال له: ((والآن من يحميك
مني؟))، فاستصفح الرجلُ النبيَّ - صلى الله عليه وآله وسلم - فعفا عنه،
وكان ذلك سببًا لإسلامه.



وعلى كل حال، فقد ذكر ابن كثير وغيرُه أن
الصفح في هذه الآية منسوخٌ بالجهاد؛ تفسير ابن كثير للآية 126 من سورة
النحل، وأشار الشوكاني أيضًا إلى هذا المعنى، ولكنه أردفه بقوله: "ولا وجه
لذلك"؛ يعني: النسخ؛ فيض القدير، تفسير الآية نفسها ص: (981).



وأحسب أن الشوكاني على صواب فيما ذهب
إليه؛ ذلك أن الصفح من الأخلاقيات التي حرص الإسلام على تنميتها في نفوس
معتنقيه، على حين أن من شأن العقوبة - إذا لم تكن حدًّا من حدود الله - أن
تزرع الضغينة في النفس، وتُغلِق القلوب عن تقبُّل الدعوة، والدينُ لا ينتشر
بتراكمات الحقد، بل بالسماحة والخُلق النبيل.



وهناك أنواع أخرى من المصائب والبلايا
التي مر بها رجالُ الله تعالى، ولكنهم تلقَّوْها بالصبر الجميل والتسليم
المطلق لمراد الله، من ذلك مثلاً - وهو ما أشرنا إليه من قبل - ابتلاءُ
إبراهيم - عليه السلام - بالحرق بالنار، وبترك فِلْذةِ كبده وزوجه في
صحراءَ قاحلةٍ، وبذبح ابنه، وما مُنِيَ به يعقوبُ - عليه السلام - بفقده
ولده يوسف، وما مر به يوسف من كيد إخوته، واسترقاقه، وسجنه، وبُعْده عن
أهله ووطنه، وما أصاب أيوبَ - عليه السلام - مِن مرضٍ أفرده وحيدًا سنين
طويلة، وغيرها.



الصبر من أجل العلم:

ووردت الإشارة إلى هذا النوع من الصبر في سورة الكهف عندما لفَتَ العبدُ الصالح "الخضر" نظرَ موسى - عليهما السلام - إلى أنه لن يستطيع الصبرَ على ما سيرى، منبهًا إياه إلى الشرط اللازم توافره في "التلميذ" من أجل الوصول إلى المبتغى، وقد وعد موسى لا بأن يكون صابرًا وحسب؛ بل بأن يكون مطيعًا أيضًا: ﴿ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ﴾ [الكهف: 66 - 69].



فالصبر إذًا - محافظة عليه أو التحلل منه -
هو أساس الاتفاق على تحصيل العلم، ولقد عذر الخضر موسى - عليهما السلام -
أكثر من مرة؛ لصعوبة الصبر، ولأن ما حصل كان يتطلب قدرًا عاليًا منه، وبما
أن موسى - عليه السلام - لم يُبْدِ ذلك النوعَ الخاص من الصبر؛ فقد بطل
الاتفاقُ، وتوقَّف تعليمه من تلك الجهة؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه
وآله وسلم -: ((وددنا أن موسى كان صبر، فقص الله علينا من خبرهما))، أو
((يرحم اللهُ موسى لو كان صبر يُقَصُّ علينا من أمرهما))؛ البخاري، حديث
رقم (3401).



ولا شك أننا نُفيد من هذه الواقعة في
ضرورة التحلي بالصبر، لا في ميدان التعلم وحسب، بل في مجال التعامل العام
مع الآخرين؛ كتعامل المعلمين مع طلابهم، وبالعكس، والأطباء مع المرضى،
وبالعكس، والناس بعضهم مع بعض في شتى شؤونهم ومصالحهم.



الصبر المذموم وعدم الرضا:

ويَرِد في القرآن الكريم صبرٌ أو تواصٍ
بالصبر يُبْديه غيرُ المؤمنين برسالة الإسلام؛ من أجل الحفاظ على معتقدهم،
وهذا الصبر مذمومٌ من وجهة النظر الإسلامية؛ لأنه لا يُبذَل من أجل الحق،
أو أن عاقبته ليست حقًّا، ولأنه - قبل كل شيء - صبرٌ ليس في الله، ومن ثم
فإن الصبرَ المحمود هو ما يكون لله وبالله، وأما المذموم، فهو ما يكون لغير
وجهه سبحانه وتعالى، وإن كان التمكنُ من النفس في حد ذاته سجيةً محمودة
على مستوى البناء الشخصي والفردي.



وإن المواضع التي وردت فيها آيات تشير إلى هذا النوع من الصبر هي:

قوله -تعالى-: ﴿ إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا ﴾ [الفرقان: 42].



وقوله -تعالى-: ﴿ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴾ [ص: 6].



ولهذا؛ فإن هؤلاء القوم وإن صبروا، فإن صبرهم كان على باطل، وكانت عاقبته النار: ﴿ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ﴾ [فصلت: 24].



أي:
إن الصبرَ الذي يبديه الكافرون على أعمالهم في الدنيا سيستدرجهم إلى أن
يُلقيَ بهم في النار، أو إنهم إن يصبروا على النار، لا يُجْدِهم صبرهم
نفعًا، ولا ينقذهم منها، بل هم ماكثون فيها؛ حيث ستكون دارَهم ومستقرَّهم.



ولعل مما يُلحَق بهذا النوع ما أبداه بنو إسرائيل من عدم الرضا بمراد الله تعالى؛ وذلك في قوله - سبحانه -: ﴿ وَإِذْ
قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا
رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا
وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ
الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ
لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ
﴾ [البقرة: 61].



جزاء الصبر:

لقد تكفل الله - سبحانه وتعالى - بمجازاة الصابرين على صبرهم في الدارين؛ فأما الجزاء الدنيوي، فهو:

إناطة الإمامة بالصابرين؛ جزاءً لإيمانهم بالله، وصبرهم من أجله؛ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 23، 24].



النصر على الأعداء؛ كانتصار بني إسرائيل على فرعون وجنوده؛ ﴿ وَتَمَّتْ
كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا
وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا
يَعْرِشُونَ
﴾ [الأعراف: 137]، وكانتصار طالوت وجنوده، وكقوله -تعالى-: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾ [آل عمران: 120].



الحصول على المدد الإلهي، ومساندة الملائكة؛ كالبُشرى التي ساقها الله - عز وجل - لعباده في معركة بدر؛ وذلك في قوله - سبحانه -: ﴿ بَلَى
إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا
يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِين
﴾ [آل عمران: 125].



الحظوة بمعية الله تعالى، وما في ذلك من انشراح الصدر، وطمأنينة القلب، وذلك في قوله - سبحانه -: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249]، وكقوله -تعالى-: ﴿ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين﴾ [الأنفال: 46]، وكقوله: ﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 66].



نيل حب الله تعالى؛ كما في قوله - سبحانه -: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 146].



وأما الجزاء الأخروي،
فيليق بكرم الله سبحانه، وإن مَن يحظى بمعيته وحبه في الحياة الدنيا لا بد
أن يكونَ في دار رحمته وجنانه في الدار الآخرة، والآيات التالية كلها تنبئ
عن هذا المآل - الذي نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعًا فيه -:

﴿ مَا
عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ
الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
﴾ [النحل: 96].



﴿ ثُمَّ
إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ
جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
﴾ [النحل: 110].



﴿ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [المؤمنون: 111].



﴿ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا ﴾ [الفرقان: 75].



﴿ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا ﴾ [القصص: 54].



﴿ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ﴾ [الإنسان: 12].



﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10].

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking
الصبر في القرآن الكريم :: تعاليق
ام يوسف
اميره ماسيه
اميره  ماسيه
رقم عضويتك : 50
عدد المساهمات : 10294
الاوسمه :

مُساهمة في 10.02.13 11:36 من طرف ام يوسف

avatar
ام محمد عامر
اميره خياليه
اميره خياليه
عدد المساهمات : 549
الاوسمه :

مُساهمة في 11.02.13 1:12 من طرف ام محمد عامر

جزانا واياكى

للمشاركة انت بحاجه الى تسجيل الدخول او التسجيل

يجب ان تعرف نفسك بتسجيل الدخول او بالاشتراك معنا للمشاركة

التسجيل

انضم الينا لن يستغرق منك الا ثوانى معدودة!


أنشئ حساب جديد

تسجيل الدخول

ليس لديك عضويه ؟ بضع ثوانى فقط لتسجيل حساب


تسجيل الدخول

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى